الصفحة 1

مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي التاسع

كربلاء المقدّسة – شعبان ١٤٣٤هـ

تنبيه الغافلين عن مصاب الإمام الحسين (عليه السلام)

الشيخ محمد الحسّون

الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ قم المقدسة

الصفحة على الانترنت: www.alhasun.com

البريد الالكتروني: [email protected]


الصفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، نبيّنا ومقتدانا خاتم الأنبياء والرسل، حبيب قلوبنا، أبي القاسم محمّد(صلى الله عليه وآله) وعلى أهل بيته الأطهار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

بين يدي القارئ الكريم مقالة مختصرة ، نُقدّمها لمهرجان ربيع الشهادة التاسع الذي يُعقد في مدينة الإباء والتضحيات كربلاء المقدسة، نردّ فيها على شُبهة أثارها مؤخّراً في أيامنا هذه بعضُ المخالفين لأهل البيت(عليهم السلام)، وطبَّلَ وزمّرَ لها وروّجها بعض المنتمين لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، إذ عقدوا لبيانها ندوات خاصة في مدينة قم المقدّسة ، ونشروها في كتاب ومجلّة خاصة بهم.

ونحن إنّما نقوم بردّ هذه الشبهة لا لأهميتها العلميّة ؛ لعدم استنادها إلى أدلّة معتبرة ومقبولة عند الباحثين، بل هي استنباطات وتحليلات وتوهّمات فارغة، بل سفاسف وأراجيف، لا يُراد منها إلّا المغالطة والإيهام، ويعتقد أصحابُها – بجهلهم المركّب – أنّهم يقدّمون خدمة كبيرة للمذهب بندائهم لإصلاح الشعائر الحسينيّة، وإنّما قمنا بردّها لأنّنا وجدنا بعض شبابنا خدعوا بهذه الكلمات المعسولة والدعوات المشبوهة.

لقد بُلينا في هذا الزمن بناشئةٍ ولدها الدهرُ بعد أجيال، تنتحلُ المحبة والولاء لأهل البيت(عليهم السلام) والحرص على مبادئهم وأهدافهم ، تريد أن تطفئ نور الله بالأفواه والأقلام، ويأبى الله إلّا أن يُتمّ نوره ، ولم تكتفِ بما فعلته الوهابية بهدم قبورهم في البقيع، وما جنوه من هدم العسكريين في سامراء، بل

الصفحة 3
عمدت لتشويه مأتم الحسين(عليه السلام) والبكاء عليه والحزن في يوم مقتله ، تروم اقتلاع ذكراه واقتلاع حبّه من قلوب شيعته ومحبيه.

كثيراً ما تُطالعنا هذه الناشئة بين الحينة والأخرى بعبارات برّاقة وعناوين فضفاضة، ترفع من عقيرتها وتُبرز عجيزتها، معولة بالأسى والحزن، وبالويل والثبور، تذرف الدموع، وتنعى الجموع، وتلعن الحظّ العاثر والحال المزري الذي وصل إليه الشيعة في الأزمة المتأخّرة ، وكأنّ فاجعة قد وقعت ومصيبة قد ألمّت بمبادئ أو عقائد الشريعة والدين... تنادي بالإصلاح والتجديد والخروج من خرافات الماضي وجمود التاريخ ؛ كيما تحرّك النهضة وتثير في النفوس اليقظة.

تنادي بالكفّ عن البكاء عالياً وذرف الدموع نازلاً، وعدم جرح مشاعر النفس ومراعاتها!!

وإذا سألت عن السبب قالوا: بأنّه المناسب للحضارة والرقي ، والملائم للعصر الحالي، والتماشي مع المدنية الحديثة.

لماذا جعل أهل البيت(عليهم السلام) يوم عاشوراء يوم حزن ومصيبة؟

لا يمكن لأيّ باحث أن ينكر كثرة الأحاديث الصادرة من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) التي تحثّ على البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام)، وجعل يوم عاشوراء يوم حزن وعزاء ومصيبة، وقد تضمّنت الموسوعات الحديثيّة الكثير منها.

إلّا أنّ العجيب – والعجائب جمّة – أن تأتي ناشئة تستخدم مغالطةً

الصفحة 4
سمجة، وتدّعي أنّ هذه الأحاديث الكثيرة الصادرة من المعصومين(عليهم السلام) ، لها داعٍ وسبب إلى صدورها ، وهو معارضة فعل الأمويين ؛ إذ أنّهم اتخذوا من يوم عاشوراء يوم عيد وفرح وسرور، بل جعلوه من الأيام العظيمة – كما أخرج البخاري ومسلم جملة من هذه الروايات – فلذلك جاءت أخبار الحثّ على البكاء لمعارضة ذلك ، والتأكيد على أنّ ذلك اليوم هو يوم حزن ومصيبة وبكاء وليس يوم فرح وسرور.

وعليه ، بما أنّ عهدَ الأمويين قد انتهى ، ولم يبقَ من الفرح والسرور أثرٌ، فينتفي غرض الأخبار والهدف الذي جاءت من أجله ، بعد ما حقّقت مقصودها كما هو المفروض، أي انتفاء المعلول بانتفاء العلّة(1).

يقول ذلك الباحث: >كان الأمويون يعدّون يوم عاشوراء عيداً لهم ، فيحتفل الناس به بالثوب الجديد... وفي المقابل جاءت ردّة فعل أتباع التشيّع على هذه الظاهرة المناهضة لمذهبهم وحسينهم ، فدعوا الناس إلى بثّ الحزن والأسى في يوم عاشوراء والبكاء والإبكاء<(2).

الجواب على هذه الشبهة:

نُجيب على هذه الشبهة بعدّة نقاط:

الأولى:

إنّ ما ذكره الباحث في تعليله من جعل الشيعة يوم عاشوراء يوم حزن ومصيبة كردّة فعل لعمل بني أميّة من جعلهم هذا اليوم يوم فرح وسرور ؛ ما هو

____________

1- انظر مجلة نصوص معاصرة ٩٤: ٢٦ - ٢٨.

2- المصدر السابق ٩: ٢٧.


الصفحة 5
إلّا تعليل توصّل إليه الكاتب واستنتجه من مقدّمات خاطئة، ولم يُقم على مدّعاه هذا أيّ دليل علمي سواء رؤيته الخاطئة للأحداث وقراؤته المعوجة للتأريخ، فكلامه أبعد من الغرابة بمسافات وأصخب من الصخب بأطوار وأكوان.

وإن أحسنا الظنّ به، فلا نحمله إلّا على الجهل وعدم الاطلاع على الأخبار الواردة في هذا الموضوع.

الثانية:

إنّ الأدلّة التي بين أيدينا تدلّ على عكس هذا المدّعى ، أيّ أنّ بني أميّة جعلوا يوم عاشوراء يوم فرح وسرور كردّة فعل لما قام به أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) من جعلهم يوم عاشوراء يوم حزن ومصيبة ، نذكر بعض الشواهد على ذلك:

أولاً: يقول ابن كثير في تاريخه – وهو إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الشافعي (ت٧٧٤ه) –

>وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها، فكانت الدبادب تُضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويُذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق ، وتعلّق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء ، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ ؛ موافقةً للحسين ؛ لأنه قتل عطشاناً. ثمّ تخرج النساء حاسرات الوجوه ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن حافيات في الأسواق، إلى غير ذلك من البدع الشيعية، وإنّما يريدون بهذا وأشباهه أن يُشنّعوا على دولة بني أميّة ؛ لأنّه قتل في دولتهم.

وقد عاكس الرافضةَ والشيعةَ يوم عاشوراء النواصبُ من أهل الشام،

الصفحة 6
فكانوا يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيّبون ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتخذون ذلك يوم عيد يصنعون فيه أنواع الأطعمة ، ويظهرون السرور والفرح يريدون بذلك عناد الرافضة ومعاكستهم(1).

ثانياً: يقول المقريزي في خططه – وهو تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت٨٤٥ه) وكتابه اسمه: المواعظ والاعتبار يذكر الخطط والآثار ، ويقال له : الخطط المقريزية:

>ولما كان الخلفاء الفاطميون بمصر كانت تعطّل الأسواق في ذلك اليوم، ويُعمل فيه السماط العظيم المسمّى سماط الحزن، وينحرون الإبل. وظلّ الفاطميون يجرون على ذلك في كلّ أيامهم.

فلمّا زالت الدولة الفاطميّة ، اتخذ الملوك من بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور يوسّعون فيه على عيالهم، ويبسطون في المطاعم، ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام ؛ جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجّاج في أيام عبد الملك بن مروان ؛ ليُرغموا بذلك آناف شيعة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي أنّه قتل فيه... وقد أدركنا بقايا ممّن عمله بنو أميّه من اتخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسّط<(2).

ثالثاً: يقول ابن العماد الحنبلي في شذراته – وهو عبد الحيّ بن أحمد بن العماد الدمشقي (١٠٨٢ه)، وكتابه اسمه: شذرات الذهب في أخبار من ذهب-:

____________

1- البداية والنهاية ٨: ٢٢.

2- الخطط المقريزية ٢: ٣٨٥.


الصفحة 7
>تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيّهم بعمل عاشوراء باللطم والعويل، والزينة وشعار الأعياد يوم الغدير . فعمدت غالية السنّة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير يوم الغار، وجعلوه بعد ثمانية أيام من يوم الغدير، وجعلوا بإزاء يوم عاشوراء بعده بثمانية أيام يوم مصعب بن الزبير ، وزاروا قبره يومئذٍ بمسكن، وبكوا عليه ونظّروه بالحسين<(1).

الثالثة:

إنّ المتابع لروايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) التي أكّدت على إقامة العزاء لسيّد الشهداء والبكاء عليه والحزن لأجل مصيبته، لم يجد التعليل المذكور بأنّهم(عليهم السلام) جعلوه في مقابل فعل بني أميّة من جعلهم يوم عاشوراء يوم فرح وسرور . بل إنّهم(عليهم السلام) جعلوه – أي الحزن على الإمام الحسين(عليه السلام) والبكاء لمصيبته – مطلوب في ذاته ، وأنّ قتله مصيبة تستدعي إظهار الحزن ؛ لأنّه البقية الباقية من أهل الكساء، وبقتله ماتوا جميعاً ؛ كما ورد في رواية الشيخ الصدوق في العلل بسنده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي(2).

فالبكاء عليه(عليه السلام) وإظهار الحزن بل الجزع مستحب بذاته، سواء كان هناك من يفرح لقتله(عليه السلام) أم لم يكن . فالحزن والبكاء ليس شعاراً مرحلياً ابتدعته الشيعة رداً على فرح الأمويين ، وإنّما هو شعار كربلاء لذاتها ونفسها.

وسوف نورد مجموعة من الروايات الدالة على استحباب كلّ ذلك، ولا

____________

1- شذرات الذهب ٣: ١٣٠.

2- علل الشرائع: ٢٥٥.


الصفحة 8
تجد في واحدة منها التعليل المذكور.

الرابعة:

إنّ الباحث المنصف إذا تصفّح كتب الحديث والتاريخ والسيرة، يجد تواتر الأخبار واستفاضتها الدالّة على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) نعى الحسين(عليه السلام) وبكاه يوم ولادته وفي أيام صباه، أي قبل قيام الدولة الأموية بنصف قرن تقريباً.

فكيف يأتي في أيامنا هذه مَن يدّعي أنّ البكاء على الحسين(عليه السلام) والحزن لمصيبته جاء كردّة فعل لما فعله حكّام بني أميّة من جعلهم يوم العاشر يوم فرح وسرور؟!!

وحديث أسماء بنت عميس – الذي روته الخاصة والعامة – خيرُ دليل على ذلك، إذ قالت للإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام):

>قبّلت جدّتك فاطمة بالحسن والحسين(عليهما السلام)، فلما ولد الحسين... فجائني النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، فأذنّ في اذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ وضعه في حجره وبكى.

قالت أسماء: فقلت : فداك أبي وأمّي، ممّ بكاؤك؟

قال: على ابني هذا.

قلت: إنّه ولد الساعة؟!

قال: يا أسماء، تقتله الفئة الباغية ، لا أنالهم الله شفاعتي<(1).

____________

1- مقتل الحسين(عليه السلام) للخوارزمي ١: ٧٨، ذخائر العقبى للطبري: ١١٩.


الصفحة 9
وكذلك حديث أمّ الفضل بنت الحارث أنّها قالت في مولد الحسين(عليه السلام):

>فدخلت يوماً على رسول الله، فوضعه في حجره ، ثمّ حانت منّي التفاتة، فإذا عينا رسول الله تهريقان من الدموع.

قالت: فقلت: يا نبي الله ، بأبي أنت وأمّي ما بك؟

قال: أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا<(1).

ويذكر ابن أعثم – وهو أحمد بن محمد بن علي بن أعثم الكوفي (ت٣١٤ه) في كتابه الفتوح - عن المسور بن مخرمة قوله:

>ولقد أتى النبيَ(صلى الله عليه وآله) ملكٌ من ملائكة الصفيح الأعلى ، لم ينزل إلى الأرض مُذ خلقت الدنيا، وإنّما استأذن ذك الملك ربّه ونزل شوقاً منه إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فلمّا نزل إلى الأرض أوحى الله عزّ وجلّ إليه : أيّها الملك أخبر محمّداً بأنّ رجلاً من أمّتي اسمه يزيد يقتل فرخة الطاهر ابن الطاهرة البتول نظيرة البتول ابنة عمران، فنزل وقد نشر أجنحته حتّى وقف بين يديه فقال: السلام عليك يا حبيب الله ، أعلم أنّ رجلاً من أمتك يقال له يزيد – زاده الله عذاباً – يقتل فرخك الطاهر ابن الطاهرة...

قال: فلما أتت على الحسين من مولده سنتان كاملتان ، خرج النبي في سفر له، فلمّا كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك فقال: هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يقال لها: كربلاء، يُقتل بها ولدي الحسين بن فاطمة.

____________

1- المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ١٧٦، المعجم الكبير للطبراني ٢٥: ٢٧، الارشاد للشيخ المفيد ٢: ١٢٩.


الصفحة 10
فقيل: مَن يقتله يا رسول الله؟

فقال: رجل يقال له يزيد...

ثمّ رجع النبي(صلى الله عليه وآله) من سفره ذلك مغموماً، ثمّ صعد المنبر، فخطب ووعظ والحسين بين يديه مع الحسن ، فلمّا فرع من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى على رأس الحسين ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهمّ محمّد عبدك ونبيّك، وهذان أطايب عترتي وخيار ذريّتي وأرومتي، ومَن أخلّفهم في أمّتي ... وضجّ الناس في المسجد بالبكاء<(1).

وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) نعى الحسين(عليه السلام) وبكى عليه قبل قيام الدولة الأموية بمدّة من الزمن:

يقول جويرية بن مسهر العبدي: >لمّا توجّهنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلى صفّين، فبلغنا طفوف كربلاء، وقف(عليه السلام) ناحيةً من العسكر، ثمّ نظر يميناً وشمالاً، واستعبر ثمّ قال: >هذا والله مُناخُ ركابهم وموضع منيّتهم<.

فقيل له: يا أمير المؤمنين ما هذا الموضع؟

قال: >هذا كربلاء، يقتل فيها قوم يدخلون الجنّة بغير حساب< ثمّ سار.

فكان الناس لا يعرفون تأويل ما قال حتّى كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي(عليهما السلام) وأصحابه بالطفّ ما كان ، فعرف حينئذٍ مَن

____________

1- كتاب الفتوح ٣: ٣٢٥.


الصفحة 11
سمع مقاله مصداق الخبر في ما أنبأهم به<(1).

وعن أبي هريمة قال: >كنتُ مع علي رضي الله عنه بنهر كربلاء، فمرّ بشجرة تحتها بعر غزلان ن فأخذ منه قبضة ، فشمّها ثمّ قال: >يحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنّة بغير حساب<(2).

وكذلك فإنّ الإمام الحسن(عليه السلام) نعى أخاه الحسين(عليه السلام) وبكاه وندبه، وهو في أخر ساعات حياته يتجرّع غصص الموت، بعد ما أخذ السمّ في جسده الشريف مأخذه، فيذهله عن ألمه وما حلّ به ، ويلتفت إلى أخيه الحسين(عليه السلام) وما سوف يجري عليه في كربلاء، فيبكي له ويندبه وهو في تلك الحالة(3).

وأبو ذر الغفاري ذكر مصاب الإمام الحسين(عليه السلام) وندبه ونعاه فقد ذكر ذلك عروة بن الزبير قائلاً:

>سمعت أبا ذر وهو يومئذٍ قد أخرجه عثمان إلى الربذة فقال له الناس: يا أبا ذر أبشر فهذا قليل في الله.

فقال: ما أيسر هذا ، لكن كيف أنتم اذا قتل الحسين بن علي قتلاً، أو قال: ذبح ذبحاً، والله لا يكون في الاسلام بعد قتل الخليفة أعظم قتيلاً منه، وأنّ الله سيسلّ سيفه على هذه الأمة لا يغمده أبداً، ويبعث ناقماً [قائماً] من ذريته فينتقم من الناس.

وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار وسكّان الجبال في الغياض والآكام وأهل السماء من قتله، لبكيتم والله حتّى تزهق أنفسكم.

____________

1- الإرشاد للشيخ المفيد ١: ٣٣٢.

2- مجمع الزوائد ٩: ١٩١.

3- انظر الأمالي للشيخ الصدوق: ١٧٧.


الصفحة 12
وما من سماء يمرّ به روح الحسين(عليه السلام) إلّا فزع له سبعون ألف ملكاً يقومون قياماً ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة ، وما من سحابة تمرّ وترعد وتبرق إلّا لعنت قاتله ، وما من يوم إلّا وتعرض روحه على رسول الله فيلتقيان<(1).

الخامس:

لدينا بعض الأحاديث تدلّ على أنّ بعض الأنبياء والرسل(عليهم السلام) ندبوا الحسين(عليه السلام) وذكروا مصيبته ، وذلك عند مرورهم بأرض كربلاء، وإخبار الباري عزّ وجلّ لهم بما يجري على الحسين(عليه السلام) في تلك الأرض.

فقد روى العلّامة المجلسي في بحار الأنوار ٤٤: ٢٤٢ – ٢٤٤، مجموعة من هذه الأحاديث:

قال : روي أنّ آدم لمّا هبط إلى الارض لم يرَ حوّاء ، فصار يطوف الأرض في طلبها ، فمرّ بكربلاء فاغتمّ وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الذي قتل فيه الحسين(عليه السلام)، حتّى سال الدّم من رجله، فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به؟ فإنّي طفت جميع الأرض ، وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض.

فأوحى الله إليه: يا آدم ما حدث منك ذنب، ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً، فسال دمك موافقة لدمه.

فقال آدم : يا ربّ أيكون الحسين نبيّاً؟

____________

1- كامل الزيارات : ١٥٣ – ١٥٤ حديث ١٩٠.


الصفحة 13
قال: لا ، ولكنّه سبط النبيّ محمّد.

فقال: ومن القاتل له؟

قال: قاتله يزيد لعين أهل السماوات والأرض.

فقال آدم : فأيّ شيء أصنع يا جبرئيل؟

فقال: العنه يا آدم ، فلعنه أربع مرّات ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوّاء هناك.

وفيه أيضاً: روي أنّ إبراهيم(عليه السلام) مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً فعثرت به ، وسقط إبراهيم وشجّ رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟

فنزل إليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب ، ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه.

قال: يا جبرئيل ومن يكون قاتله؟

قال: لعين أهل السماوات والأرضين، والقلم جرى على اللّوح بلعنه بغير إذن ربّه ، فأوحى الله تعالى إلى القلم إنّك استحققت الثناء بهذا اللعن.

فرفع إبراهيم(عليه السلام) يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً، وأمّن فرسه بلسان فصيح، فقال إبراهيم لفرسه: أيّ شيء عرفت حتّى تؤمّن على دعائي؟

فقال: يا إبراهيم أنا أفتخر بركوبك علي، فلمّا عثرتَ وسقطتَ عن ظهري عظمت خجلتي وكان سبب ذلك من يزيد لعنه الله تعالى.

فيه أيضاً: روي أنّ موسى كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون ، فلمّا جاء إلى أرض كربلاء انخرق نعله، وانقطع شراكه، ودخل الحسك في رجليه،

الصفحة 14
وسال دمه، فقال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟

فأوحى إليه : أنّ هنا يقتل الحسين(عليه السلام) وهنا يسفك دمه، فسال دمك موافقة لدمه.

فقال : ربّ ومن الحسين؟

فقيل له : هو سبط محمّد المصطفى، وابن علي المرتضى.

فقال: ومن يكون قاتله؟

فقيل: هو لعين السّمك في البحار، والوحوش في القفار، والطير في الهواء.

فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه، وأمّن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه.

استحباب البكاء على الحسين(عليه السلام) وإقامة العزاء لمصيبته:

نورد هنا مجموعة من الروايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، الدالّة على استحباب ندب الحسين(عليه السلام) والبكاء عليه وإقامة المآتم لمصيبته، وإنشاد الشعر فيه، ولا نجد في واحدةٍ منها التعليل الذي ذكره الكاتب من أنّ أهل البيت(عليهم السلام) إنّما جعلوا يوم عاشوراء يوم حزن ومصيبة وذلك في قبال جعل بني أميّة ذلك اليوم يوم فرح وسرور، وقد جمع هذه الأحاديث المحدّث أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولوية القمي (ت٣٦٨ه) في كتابه كامل الزيارات ص٢٠١ – ٢١٤.

١- حدثني الحسن بن عبد الله بن محمّد بن عيسى ، عن أبيه، عن الحسن ابن محبوب ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه

الصفحة 15
السلام)، قال: كان علي بن الحسين(عليهما السلام) يقول:

>أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي(عليهما السلام) دمعة حتّى تسيل على خده بوّأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقابا، وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتّى تسيل على خده فينا لأذي مسّنا من عدونا في الدنيا بّوأه الله بها في الجنّة مبوأ صدق، وأيّما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتّى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار<.

٢- حدثني أبي رحمه الله، عن سعد بن عبد الله ، عن أبي عبد الله الجاموراني، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سمعته يقول:

>إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع ، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي(عليهما السلام)، فإنّه فيه مأجور<.

٣- حدّثني محمد بن جعفر الرزّاز، عن خاله محمد بن الحسين الزيات، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة ، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) في حديث طويل له:

>ومن ذكر الحسين(عليه السلام) عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب، كان ثوابه على الله عزّ وجلّ ، ولم يرض له بدون الجنة<.

٤- حدّثني حكيم بن داود بن حكيم ، عن سلمة بن الخطاب، قال: حدّثنا بكار بن أحمد القسّام والحسن بن عبد الواحد، عن مخول بن إبراهيم ، عن الربيع بن منذر، عن أبيه، قال: سمعت علي بن الحسين(عليهما السلام) يقول:


الصفحة 16
>من قطرت عيناه فينا قطرة ودمعت عيناه فينا دمعة ، بوّأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً<.

٥- حدثني أبي رحمه الله وجماعة مشايخي ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن حمزة بن علي الأشعري ، عن الحسن بن معاوية بن وهب ، عمّن حدثه ، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين(عليهما السلام) يقول: وذكر مثل حديث محمد بن جعفر الرزاز سواء.

٦- حدّثني محمد بن جعفر القرشي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن الحسن بن علي، عن ابن أبي عمير، عن علي بن المغيرة، عن أبي عمارة المنشد، قال: ما ذكر الحسين بن علي(عليهما السلام) عند أبي عبد الله جعفر بن محمد(عليهما السلام) في يوم قط فرؤي أبو عبد الله(عليه السلام) في ذلك اليوم متبسماً إلى الليل.

٧- حدّثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد ، عن عبد الله بن حمّاد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصّم، عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال:

قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): >يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين(عليه السلام)؟

قلت: لا ، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة، وعدونا كثير من أهل القبائل من النصّاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي.

قال لي: >أفما تذكر ما صنع به<؟


الصفحة 17
قلت: نعم.

قال: >فتجزع<؟

قلت: إي والله، واستعبر لذلك حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فامتنع من الطعام حتّى يستبين ذلك في وجهي.

قال: >رحم الله دمعتك ، أما أنّك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا ويأمنون اذ آمنا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة أفضل، وملك الموت أرق عليك وأشدّ رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها<.

قال : ثمّ استعبر واستعبرت معه ، فقال: >الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة وخصّنا أهل البيت بالرحمة ، يا مسمع إنّ الأرض والسماء لتبكين منذ قتل أمير المؤمنين(عليه السلام) رحمة لنا، وما بكى لنا من الملائكة أكثر، وما رقأت دموع الملائكة منذ قتلنا ، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلّا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه ، فإذا سالت دموعه على خده فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرّها حتّى لا يوجد لها حرّ، وإنّ الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض، وإنّ الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه حتّى أنّه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه.

يا مسمع، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ولم يستق بعدها أبداً، وهو في برد الكافور وريح المسك وطعم الزنجبيل، أحلى من العسل، وألين من الزبد ، وأصفى من الدمع، وأذكى من العنبر، يخرج من تسنيم ويمر بأنهار

الصفحة 18
الجنان، يجري على رضراض الدر والياقوت، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام، قدحانه من الذهب والفضّة، وألوان الجوهر، يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة حتّى يقول الشارب منه: يا ليتني تركت هاهنا لا أبغي بهذا بدلاً ولا عنه تحويلاً.

أما انّك يا كردين ممّن تُروى منه، وما من عين بكت لنا إلّا نعمت بالنظر إلى الكوثر وسقيت منه من أحبنا، وأنّ الشارب منه ليعطى من اللذة والطعم والشهوة له أكثر ممّا يعطاه من هو دونه في حبنا، وأنّ على الكوثر أمير المؤمنين(عليه السلام) وفي يده عصا من عوسج يحطم بها أعداءنا، فيقول الرجل منهم: إنّي أشهد الشهادتين.

فيقول: انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك.

فيقول : يتبرأ مني إمامي الذي تذكره.

فيقول: ارجع إلى ورائك فقل للذي كنت تتولّاه وتقدّمه على الخلق فاسأله اذا شفع.

فيقول : إنّي أهلك عطشاً.

فيقول له: زادك الله ظمأ، وزادك الله عطشاً.

قلت: جعلت فداك وكيف يقدر على الدنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره؟

فقال: ورع عن أشياء قبيحة وكفّ عن شتمنا أهل البيت اذا ذكرنا، وترك أشياء اجترأ عليها غيره، وليس ذلك لحبّنا ولا لهوى منه لنا، ولكن ذلك لشدّة اجتهاده في عبادته وتديّنه ولما قد شغل نفسه به عن ذكر الناس، فأمّا قلبه فمنافق، ودينه النصب باتباع أهل النصب وولاية الماضين وتقدّمه لهما على كل أحد<.


الصفحة 19
٨- حدثني أبي رحمه الله، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ، عن عبد الله بن بكير الأرجاني.

وحدّثني أبي رحمه الله، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن عبد الله بن بكير، قال : حججت مع أبي عبد الله(عليه السلام) - في حديث طويل – فقلت: يابن رسول الله لو نبش قبر ا لحسين بن علي(عليهما السلام) هل كان يصاب في قبره شيء؟

فقال: >يابن بكير ما أعظم مسائلك ، إنّ الحسين(عليه السلام) مع أبيه وأمّه وأخيه في منزل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومعه يرزقون ويحبرون، وأنّه لعنْ يمين العرش متعلّق به يقول: يا ربّ أنجز لي ما وعدتني ، وأنّه لينظر إلى زوّاره وأنّه أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وما في رحالهم من أحدهم بولده، وأنّه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له ويسأل أباه الاستغفار له ويقول: أيها الباكي لو علمت ما أعدّ الله لك لفرحت أكثر مما حزنت، وأنّه ليستغفر له من كلّ ذنب وخطيئة<.

٩- حدّثني حكيم بن داود ، عن سلمة ، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير ، عن بكر بن محمد ، عن فضيل بن يسار ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: >من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر<.

١٠- حدّثني محمد بن عبد الله، عن أبيه ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) مثله.

١١- حدّثني حكيم بن داود ، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسن بن علي ، عن العلاء بن رزين القلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: >أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين(عليه السلام) دمعة حتّى تسيل على خدّه بوأه

الصفحة 20
الله بها غرفاً في الجنة يسكنها أحقاباً<.

١٢- وعنه ، عن سلمة ، عن علي بن سيف، عن بكر بن محمد ، عن فضيل بن فضالة ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: >من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ، حرّم الله وجهه على النار<.

١٣- حدّثنا أبو العباس القرشي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): >يا أبا هارون أنشدني في الحسين(عليه السلام).

قال: فأنشدته:

أمرر على جــدث الحسين

فقل لأعظمه الزكية

قال: فبكى، ثم قال: زدني، قال: فأنشدته القصيدة الأخرى، قال: فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر، قال: فلما فرغت قال لي:

يا أبا هارون من أنشد في الحسين(عليه السلام) شعراً فبكى وأبكى عشراً كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسة كتبت له الجنة ، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كتبت لهما الجنة، ومن ذكر الحسين(عليه السلام) عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنة<.

١٤- حدّثني أبو العباس ، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان ، عن الحسن بن علي بن أبي المغيرة، عن أبي عمارة المنشد ، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ، قال: قال لي: >يا أبا عمارة أنشدني في الحسين(عليه السلام)، قال: فأنشدته، فبكى ، ثمّ أنشدته فبكى، ثمّ أنشدته فبكى، قال: فوالله ما زلت أنشده ويبكي حتّى سمعت البكاء من الدار فقال لي:


الصفحة 21
>يا أبا عمارة من أنشد في الحسين(عليه السلام) شعراً فأبكى خمسين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى أربعين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة، ومن أنشد في الحسين(عليه السلام) شعراً فأبكى واحداً فله الجنة، ومن أنشد في الحسين(عليه السلام) شعراً فبكى فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنة<.

١٥- حدّثني محمد بن جعفر ، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن حسان ، عن ابن أبي شعبه، عن عبد الله بن غالب، قال: دخلت على أبي عبد الله(عليه السلام) فأنشدته مرثية الحسين(عليه السلام)، فلما انتهيت إلى هذا الموضع:

لبلية تسقو حسيناً

بمسقاة الثرى غير التراب

فصاحت باكية من وراء الستر: وا أبتاه.

١٦- وعنه، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح ابن عقبة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:

>من أنشد في الحسين(عليه السلام) بيت شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة، ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنة، فلم يزل حتّى قال: من أنشد في الحسين بيتاً فبكى – وأظنه قال: أو تباكى – فله الجنة<.

١٧- حدّثني محمد بن الحسن ، عن محمد بن الحسن الصفّار، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي

الصفحة 22
هارون المكفوف، قال: دخلت على أبي عبد الله(عليه السلام) فقال لي: >أنشدني<، فأنشدته، فقال: > لا، كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره<، قال: فأنشدته:

أمرر على جــدث الحسين

فقل لأعظمه الزكية

قال: فلما بكى أمسكت أنا ، فقال: مُر ، فمررت ، قال: ثم قال: زدني زدني، قال: فأنشدته:

يا مريم قومي فاندبي مولاك

وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال: فبكى وتهايج النساء، قال: فلمّا أن سكتن قال لي: >يا أبا هارون من أنشد في الحسين(عليه السلام) فأبكى عشرة فله الجنة، ثمّ جعل ينقص واحداً واحداً حتّى بلغ الواحد فقال: من أنشد في الحسين فأبكى واحداً فله الجنة، ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنة<.

١٨- حدّثني محمد بن أحمد بن الحسين العسكري، عن الحسن بن علي ابن مهزيار، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح ابن عقبة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:

>من أنشد في الحسين بيت شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة، ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنة، فلم يزل حتّى قال: من أنشد في الحسين بيتاً فبكى – وأظنه قال: أو تباكى – فله الجنة<.

١٩- حدّثني محمد بن جعفر الرزاز الكوفي، عن محمد بن الحسين، عن الخشاب، عن علي بن حسان ، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود الرقي، قال:

كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) اذ استسقى الماء، فلمّا شربه رأيته قد

الصفحة 23
استعبر واغرورقت عيناه بدموعه، ثم قال لي: >يا داود لعن الله قاتل الحسين(عليه السلام) ، فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين(عليه السلام) ولعن قاتله إلّا كتب الله له مائة ألف حسنة، وحطّ عنه مائة ألف سيئة ، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنّما أعتق مائة ألف نسمة ، وحشره الله تعالى يوم القيامة ثلج الفؤاد<.

٢٠- حدّثني محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد ، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن إبراهيم الحضرمي، عن سعد بن سعد مثله.

٢١- حدّثني أبي رحمه الله وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أبي داود المسترق، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:

>بكى علي بن الحسين على أبيه حسين بن علي(عليهما السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعاماً إلّا بكى على الحسين، حتّى قال له مولى له : جُعلت فداك يابن رسول الله إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنّما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله مالا تعلمون، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني العبرة لذلك<.

٢٢- حدّثني محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب الزيّات، عن علي بن أسباط ، عن إسماعيل بن منصور، عن بعض أصحابنا، قال:

أشرف مولى لعليّ بن الحسين(عليهما السلام) وهو في سقيفة له ساجد يبكي ، فقال له: يا مولاي يا علي بن الحسين أما أن لحزنك أن ينقضي، فرفع رأسه إليه وقال: >ويلك – أو ثكلتك أمّك – والله لقد شكى يعقوب إلى ربّه في

الصفحة 24
أقلّ ممّا رأيت حتّى قال (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)(1) ، إنّه فقد ابناً واحداً، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي.

قال: وكان علي بن الحسين(عليهما السلام) يميل إلى ولد عقيل، فقيل له: ما بالك تميل إلى بني عمك هؤلاء دون آل جعفر، فقال: إنّي أذكر يومهم مع أبي عبد الله الحسين بن علي(عليهما السلام) فأرقّ لهم<.

محمد الحسّون

الخامس من جمادى الآخرة ١٤٣٤هـ - قم المقدسة

الصفحة على الانترنيت:? www.alhasun.com

البريد الالكتروني: [email protected]

____________

1- يوسف: ٨٤ .