سفرة تبليغيّة إلى الصين


بقلم الشيخ محمّد الحسّون


بسمه تعالى


بحمد الله وُفّقنا للقيام بسفرة تبليغيّة إلى جمهورية الصين الشعبية، استغرقت عشرة أيام، ابتداءً من يوم الاثنين 27 جمادى الأولى 1437هـ = 7/4/2016م، نسلّط الضوء عليها في عدّة نقاط:


الأولى: هذه السفرة ـ كسابقاتها من أسفارنا التبليغيّة ـ كانت بتنسيق مع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني، في مدينة قم المقدّسة، وبدعم مباشرمن وكيلة العام الأخ الكريم سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيّد جواد الشهرستاني.

والهدف من هذه الأسفار التبليغيّة، هو التواصل مع المسلمين عموماً، وأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً، وزيارة المؤسسات العلميّة والمراكز الثقافيّة، ولقاء الشخصيات العلميّة الدينية والأكاديميّة، والوقوف على احتياجاتهم، والعمل على دعمهم قدر المستطاع، وكلّ ذلك يصبّ في تقوية أواصر الإرتباط بين المؤمنين والحوزة العلميّة الشريفة ومراجعها الكرام.


الثانية: جمهوريّة الصين الشعبية تقع شرق آسيا، مساحتها 6/9 ميليون كيلومتر، تحدّها أربع عشرة دولة هي: فيتنام، لاوس، بورما، الهند، بوتان، النيبال، باكستان، أفغانستان، طاجيكستان، قيرغيزستان، كازاخستان، روسيا، منغوليا، كوريا الشمالية.

عدد نفوس الصين 338/1 مليار نسمة، عدد المسلمين منهم مئة ميليون، وعدد الشيعة قليل جداً لا يتجاوز عدّة آلاف، الكثير منهم من المستبصرين. وهناك مجموعة من الشيعة المهاجرين والمقيمين في الصين لأجل التجارة أو الدراسة الأكاديميّة، يتمركز أكثرهم في مدينتي ((كوانزوا)) (Guangzhou) و((ايوو)) (Yiuo).

وفي الصين مدينة تُسمّى ((سِين جَان)) (Xin jiang) داخلها التشيّع قبل 300 سنة تقريباً بواسطة أحد التجار الإيرانيين المهاجرين، الذي قام بنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هناك، ويُقدّر عدد الشيعة الآن في تلك المدينة 8000 نسمة، ولديهم مسجد كبير، ومعترف بهم من قبل الحكومة.


الثالثة: شملت سفرتنا هذه مدينة ((كوانزوا))، ومدينة ((سانيا)) (Sanya) الواقعة في جزيرة ((هاينان)) (Hainan)، وقرية ((هويسين)) (Huixin).


الرابعة: في مدينة ((كوانزوا)) توجد ثلاثة مساجد للاُخوة السنّة هي: ((مسجد الصحابي أبي وقاص))، و((مسجد هواي شن)) (huai shen) أي عاشق النبيّ (ص)، و((مسجد هاوبن)) (Haopan) سمّي باسم المنطقة الواقع فيها هذا المسجد. وهذا المسجد ((هاوبن)) فيه قاعة ملاصقة للمسجد، خصّصها إمام المسجد ((الشيخ حسن)) لشيعة أهل البيت (عليهم السلام)، يُقيمون فيها مناسباتهم المذهبيّة.

ويوجد أيضاً في هذه المدينة حسينيّة للمؤمنين العرب، أسّسها بعض النجفيين المقيمين هناك.


الخامسة: قمنا في مدينة ((كوانزوا)) بعدّة نشاطات منها:

- عقد عدّة جلسات مع الإخوة المستبصرين الصينيين، والإجابة على أسئلتهم الدينيّة، وخصوصاً العقائدية.

- أجبنا دعوة العشاء من قبل أئمة المساجد في هذه المدينة، في مطعم السلام الواقع في فندق آسيا، أعقبتها جلسة علميّة، تناولنا فيها موضوع ضرورة التقارب بين المسلمين، وعدم السماح لأعداء الإسلام من النفوذ بينهم والعمل على تفرقتهم.

- أجبنا دعوة شيخ الإسلام، والمسؤول عن الشؤون الدينية في هذه المدينة، الشيخ عبد الله، لزيارة ((مسجد أبي وقاص))، حيث كان في استقبالنا مع أعضاء الجمعيّة الإسلاميّة هناك، ودار بيننا حوار أخويّ، أوضحنا فيه موقف أهل البيت (عليهم السلام)، والحوزات الدينيّة، والمراجع الكرام، من مسألة التقارب بين المذاهب الإسلاميّة، وعدم تكفير بعضهم البعض الأخر.

وقد أبدى الشيخ عبد الله وأعضاء الجمعية الإسلاميّة، ارتياحهم لهذه الزيارة، وأبدوا رغبتهم لزيارة النجف الأشرف ولقاء المرجع الأعلى للطائفة الشيعيّة سماحة السيّد السيستاني حفظه الله،

- في يوم الجمعة، الأول من شهر جمادى الآخرة، أجبنا دعوة الشيخ حسن، إمام الجمعة والجماعة في مسجد ((هاوبن))، حيث ألقينا كلمة بالمصلّين، أكدنا فيها على رأي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في عدم تكفيرهم للمسلمين الذين يتشهدون الشهادتين، وعدم جواز النيل من رموز الآخرين، والعمل الجادّ الذي تقوم به الحوزة العلميّة في سبيل اتحادّ المسلمين ووقوفهم أمام أعدائهم.


السادسة: في مدينة ((كوانزوا)) مسجد كبير يقع في أرض زراعية كبيرة، مملؤة بالأشجار، وهو المسجد الجامع، أكبر مساجد هذه المدينة، تقام فيه صلاة الجمعة، كتب عليه باللغة العربيّة ((مسجد الصحابي أبي وقاص))، وهناك لوحة كبيرة كتبت باللغة الصينيّة أنّ هذا المسجد هو مسجد الصحابي سعد بن أبي وقاص.

وبجنب هذا المسجد بئر، كُتب عليه أنّ عمره 1300 سنة، وبجوار هذا المسجد أيضاً غرفة فيها قبر مشيّد، كتب عليه ((روضة أبي وقاص))، يعتقد المسلمون أنّه قبر الصحابي سعد بن أبي وقاص.

وعند زيارتنا لهذا المسجد والقبر رأيت مجموعة من المسلمين الصينيين يجلسون حول القبر، ويقرأون الأدعية والأذكار والأشعار، ويتوسّلون بصاحب هذا القبر في قضاء حوائجهم، وكانت قراءتهم وحركاتهم مشابهة لما يقوم به الصوفيّة.

ومن الكلمات التي كانوا يقولونها باللغة العربيّة: ((أنت الهادي أنت الهادي، ليس الهادي إلاّ هو، لا إله إلاّ الله، مافي قلبي غير الله، نور محمّد صلّى الله، بحق لا إله إلاّ الله)).

وعند زيارتنا لشيخ الإسلام وإمام الجمعة في هذا المسجد، سألته عن هذا القبر، فقال: إنّه قبر الصحابي سعد بن أبي وقاص.

فقلت له: إنّ سعد بن أبي وقاص مات سنة 55 هجرية بالعقيق خارج المدينة المنورة، فحمله أهله ودفنوه في البقيع، وهو من أوائل الصحابة، ومن العشرة المبشّرين بالجنّة.

فقال لي: نحن نعتقد أنّ هذا قبر الصحابي سعد بن أبي وقاص، ولا نناقش في ذلك.

فسكتُ عندئذٍ، لمّا رأيته لا يريد أن يناقش في هذا الموضوع.


السابعة: بعد أن أنهينا نشاطنا في مدينة ((كوانزوا))، توجّهنا إلى مدينة ((سانيا)) الواقعة في جزيرة ((هاينان))، وكان سفرنا إليها بالطائرة استغرق ساعة ونصف تقريباً.

وتعدّ هذه المدينة من المدن السياحيّة الجميلة في الصين، إذ يقصدها السوّاح للتّمتع بسواحلها الجميلة الهادئة، لذلك لا يقصدها الناس لأجل التجارة مثل مدينتي ((كوانزوا)) و((ايوو)).

قبل عام 2009 م لم يكن أيّ وجود لأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المدينة، وفي سنة 2003م هاجر أحد شباب هذه المدينة إلى مدينة مشهد المقدّسة في إيران ودرس في الجامعة الرضوية فيها.

وبعد إنهاء دراسته رجع إلى أهله في هذه المدينة سنة 2009م وقام بنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فأصبح عدد الشيعة فيها الآن 300 نسمة تقريباً، ولديهم حسينيّة عامرة يقيمون فيها مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، ولديهم أيضاً حوزة علميّة، فيها مجموعة من الطلبة يدرسون أوّليات دروس الحوزة العلميّة، ثمّ يتوجهون إلى قم أو النجف الأشرف لإكمال دراستهم الحوزويّة.

وقد وفّقنا الباري عزّ وجلّ للحضور في هذه الحسينيّة، وإلقاء بعض المحاضرات، والإجابة على الأسئلة والشبهات العقائدية العالقة في أذهان بعض الشباب.

كما وفّقنا أيضاً لإقامة مجلس عزاء سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) في هذه الحسينية، إذ صادف حضورنا فيها ليلة شهادتها سلام الله عليها.

وحضرنا أيضاً في هذه الحوزة العلميّة، واجتمعنا مع طلبتها، واطلعنا على مناهجهم الدراسية.


الثامنة: زرنا أيضاً قرية ((هويسين)) التابعة لمدينة ((سانيا))، إذ يتواجد فيها عدد من المستبصرين الصينيين، وعقدنا معهم جلسة واحدة مفصّلة.


التاسعة: في مدينة ((سانيا)) يوجد جبل، يسمّى ((جبل الغزال))، فيه قصّة ظريفة، وهي:

أنّ أحد الصيّادين الشباب، أراد أن يصيد غزالاً، فهرب إلى هذا الجبل، فتبعه هذا الصيّاد، إلى أن وصل إلى قمة الجبل، وكان كلّ همّ هذا الشاب وأمنيته أن يحصل على هذا الغزال، فلمّا وصل إلى قمة الجبل، تحوّل هذا الغزال إلى فتاة جميلة، فأخذها الصيّاد وتزوّجها، وبذلك وصل إلى اُمنيته.

وعلى هذا، فإنّ الأشخاص ـ خصوصاً الشباب ـ يقصدون هذا الجبل من أجل الوصول إلى أمنياتهم، كما وصل ذلك الشاب الصيّاد إلى اُمنيته.

والعجيب في الأمر، إنّي شاهدتهم يعقدون أشرطة حمراء على إحدى الشجرات الكبيرة، من أجل الوصول إلى اُمنياتهم، كما يفعل بعض المسلمين من عقد أشرطة خضراء عند قبور الأولياء والصالحين.


العاشرة: في نهاية كلمتي هذه عن زيارتي للصين، أشير إلى نقطة مهمّة، شاهدتها ليس في الصين فحسب، بل في كثير من الدول التي زرتها، وهي:

أنّ الأرضيّة مهيّئة جداً، والمناخ مناسب كثيراً، لنشر الإسلام في دولة الصين، فالحكومة لا تهتمّ بهذه الأمور مادامت لا تُعارض سياستها ونظامها، إضافة للعلاقة الحسنة بين الصين من جهة، وإيران والعراق من جهة اُخرى. والشعب الصينيّ عموماً شعب متفتح ثقافياً، غير متعصّب، يقتنع بالفكرة إذا أقمت عليها الدليل والحجّة الواضحة.

فلابدّ من استغلال هذه الفرصة والعمل بجدّ على نشر الإسلام هناك، ولابدّ أيضاً من التعاون والتنسيق بين كافة الجهات المعنيّة بهذا الأمر من: رجال دين، ومؤسسات، وتجّار.

ثمّ هناك نقطة جلبت انتباهي، لابدّ من الوقوف عندها بجدّ، وهي عمل جامعة المصطفى في إيران، أو قسم شؤون الطلبة الأجانب الذين يدرسون في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة، إذ أنّها نجحت في استقطاب عدد كبير من الشباب من دول شتى، وأدخلتهم في الحوزة العلميّة، وهيّأت لهم مستلزمات الاستمرار في الدراسة.

لكن هؤلاء الشباب، بعد إكمال دراستهم وعودتهم لبلدانهم، كي يعملوا مُبلّغين لنشر الإسلام هناك، لابدّ من رعايتهم وتهيئة مستلزمات الدعوة لهم. فمَن الذي يقوم بهذه المسؤوليّة؟ مَن يرعاهم وينسق معهم، ويهيّيء لهم احتياجاتهم كي يستمروا في عملهم؟ هل هذا هو عمل جامعة المصطفى، أو غيرها من مؤسسات الحوزة العلميّة؟

إنّ عدم الاهتمام بهذه الشريحة من الطلبة الشباب، جعلتهم يتركون عملهم التبليغي، ويتوجّهوا لأعمال اُخرى من أجل سدّ حاجاتهم الماديّة، وهذا ما شاهدته ـ مثلاً في الصين والمغرب وتونس وماليزيا وتايند، وغيرها من الدول التي زرتها.


فبعضهم عمل كمترجم في الشركات السياحيّة أو التجاريّة، وآخر كمعلّم للغة الفارسيّة أو العربيّة، وآخرون توجّهوا للعمل التجاري الحرّ وتركوا التبليغ تماماً.

هؤلاء الأشخاص ليسوا قليلين، جاؤوا إلى إيران ودرسوا سنوات كثيرة، وصرفت الحوزة العلميّة عليهم أموالاً طائلة من الحقوق الشرعيّة، ليعودوا إلى بلدانهم ويتركوا الهدف الذي جاؤوا من أجله.

أرجو من المعنيين بهذا الأمر، الاهتمام والتفكير بشكل جدّي في هذه المسألة، ووضع برامج مدروسة لأجل الاستفادة من هذه الطاقات الشبابيّة المؤمنة.

الشيخ محمد الحسون

الصفحة على الانترنيت: http://www.aqaed.com/muhammad

البريد الالكتروني: [email protected]

28 جمادى الآخرة 1437 هـ

قم المقدّسة