لماذا انتشر التشيّع في إيران ولم ينتشر في تايلند؟
مقارنة بين هجرة الكركي لإيران وهجرة القمّي إلى تايلند


كتبها الشيخ محمّد الحسّون


بسمه تعالى


تايلند المعروفة سابقاً بـ "سيام"، دولة تقع جنوب شرق آسيا في شبه الجزيرة الهنديّة الصينيّة ، تحدّها كلّ من لاوس وكمبوديا شرقاً، وخليج تايلند وماليزيا جنوباً، وبحر أندامان وميانمار غرباً . تنقسم تايلند إلى ٧٥ محافظة، وكلّ محافظة تنقسم إلى عدّة أحياء وبلديّات ، وعاصمتها بانگوك.

يقدّر عدد سكانها ٦٦ مليون نسمة ، ممّا يضعها في المرتبة العشرين عالمياً حسب عدد السكان ، ومساحتها ٢.٥١٣.١٢٠كم، إذ تأتي في المرتبة الحادية والخمسين في دول العالم من حيث المساحة.

نظام الحكم فيها ملكي دستوري، والديانة الرسمية فيها هي البوذية التي يعتنقها أكثرية سكانها . وهي من الدول الصناعية الجديدة ، وقد ازدهرت السياحة فيها في العقود الأخيرة من الزمن ، ولا يزيد عدد المسلمين فيها على المليون نسمة تقريباً، والشيعة منهم قليلون جداً قد لا يزيدون على ثلاثين ألف نسمة.


الصفحة 2
دخل التشيّع إلى تايلند بشكل رسمي عند دخول الإسلام إليها ، وذلك أيام هجرة الشيخ أحمد القمّي إليها.

يعتبر الشيخ أحمد القمّي من التجّار ورجال الدين آنذاك ، إذ ولد في مدينة قم المقدّسة سنة ١٥٤٣م ـ ٩٦٢هـ ، وهاجر إلى تايلند سنة ١٦٠٥م ـ ١٠٢٤هـ وعمره آنذاك ٦٢ عاماً ، وهاجر معه أخوه محمّد سعيد الذي رجع إلى إيران بعد فترة من سكنه في تايلند وتزوّجه من فتاة تايلندية أولدت له ولداً سمّاه محمداً، رجع مع والده إلى إيران ، إلاّ أنه عاد إلى تايلند بعد وفاة والده، وتزوّج من بنت عمّه الشيخ أحمد ، وكان أحفاده وأحفاد عمه يتولّون مشيخة الإسلام في تايلند لمدّة طويلة.

بقي الشيخ أحمد القمّي في تايلند إلى أن توفّي سنة ١٦١٣١م ـ ١٠٥٠هـ عن عمر ناهز ٨٨ عاماً ، وكان قد تزوّج من فتاة شابة تايلندية اسمها "چوري" (churay) ، تنتمي للعائلة الحاكمة آنذاك، وأولدت له ولدين وبنت : ابنه الكبير اسمه چوئن (chuen)، وابنه الثاني توفّي في شبابه، وبنته اسمها چاي (chai).

يقع قبر الشيخ أحمد في العاصمة القديمة لتايلند (آيوتايا) وسط جامعة العلوم الإنسانية "راش پد" وعليه قبة ، وكتبت بجنبه عبارة باللغة التايلندية هي: "قبر الشيخ أحمد القمي الشيعي الاثني عشري، ولد في قم سنة ١٥٤٣م، وجاء إلى تايلند وتزوّج من امرأة تايلندية فولدت له ولدين وبنت".


الصفحة 3
وبسب زواج الشيخ أحمد من فتاة من العائلة الحاكمة، قويت علاقته مع السلطان الحاكم آنذاك "نارا سوان" الذي أسند إليه عدّة مناصب سياسيّة مهمة.

وعندما استلم السلطان "فارا سوام سنگدوم" الحكم ـ الذي كان معاصراً للشاه عباس الصفوي ـ أصبح الشيخ أحمد مستشاراً له ووزيراً للمالية ومسؤولاً عن التجارة الخارجية لتايلند، ومُنح لقب "الإنسان الكبير" أو "الإنسان الشجاع"، وفي نفس الوقت عيّن شيخاً للإسلام ، وأخذ إجازة في تعريف التايلنديين بمذهب أهل البيت عليهم السلام، وبواسطة العمل الدؤوب للشيخ أحمد فإنّ أكثر أهالي العاصمة "آيوتايا" أصبحوا من المسلمين الشيعة، وكان المسلمون السنّة من أهالي ماليزيا وأندنوزيا.

وفي زمن السلطان "پراساد تونگ" استلم الشيخ أحمد منصب "چوپرايا باوران راشا نايگ" أي رئيس الوزراء في ذلك الوقت، إضافة لاستلامه منصب "چولا راشامو نتري" يعني منصب زعيم المسلمين أو شيخ الإسلام.

بقي الشيخ أحمد في تايلند إلى وفاته، وبقي فيها أحفاده من ولده چوئن، وبنته التي تزوّجها ابن أخيه محمّد. وتُسمّى عائلته الآن ـ التي تُعتبر من أكبر وأهم العوائل ـ "بوناگ"، وقد استلم أحفاده عدّة مناصب في الدولة: وزراء، وقادة عسكريين في الجيش والشرطة، ومعاونين للوزراء، وفي زمن السلطان "چو لچام كلاو" استلم أحد أحفاده منصب نائب

الصفحة 4
السلطان ، واثنين من أحفاده استلما منصب رئيس الوزراء. والآن كلّ أفراد هذه العائلة من التجار الأثرياء وأساتذة الجامعات.

الملفت للنظر، والذي يجب أن نقف عليه وقفة متأمّل ومتعّجب، أنّ منصب شيخ الإسلام من بدايته سنة ١٦١١م ـ ١٠٣٠هـ وحتّى سنة ١٩٤٥م ـ ١٣٦٤هـ كان مختصّاً بشيعة أهل البيت عليهم السلام، أي أنّ شيخ الإسلام رقم ١ هو الشيخ أحمد القمّي كان شيعياً، ثمّ استمر هذا المنصب في ولده وأحفاده إلى شيخ الإسلام رقم ١٤، وفي عام ١٩٤٥م استلم هذا المنصب رجل دين سنّي هو الشيخ إسماعيل يحيوي الشافعي المذهب، وفي أيامنا هذه فإنّ شيخ الإسلام يحمل رقم ١٨ هو الشيخ "عزيز پي تاك كوم پون".

والذي يراجع أسماء مشايخ الإسلام السابقين يجدها: أحمد ، محمّد رضا، محمّد محزوم، محمّد غزم، محمّد باقر، محمّد تاكه، غلام حسين، أحمد چولا.

والملفت للنظر والعجيب أيضاً ، أنّ الجيل الثالث من أبناء الشيخ أحمد والشيخ محمّد سعيد القميّين ، بدأ فيهم تغيير الديانة من الإسلام إلى البوذية، إذ قسم منهم ولأسباب سياسيّة ومطامع في مناصب الدولة قد غيّروا دينهم الإسلامي إلى البوذي، وواحد منهم حافظ على دينه، واستمر أولاده وأحفاده ليومنا هذا كمسلمين ولديهم حسينية تعرف بـ (إمام پاره)، لكنّهم لا يعرفون من الدين إلاّ اسمه، ولا من الحسين عليهم السلام إلاّ شجّ رؤوسهم بالسيف، والسير على الجمر يوم عاشوراء.


الصفحة 5
فإنّ أوّل من غيّر دينه هو جاي ابن سامبون ابن چوئن ابن الشيخ أحمد القمي. وكان لـ "جاي" ولد اسمه "شي ين" لم يغيّر دينه، وأصبح شيخاً للإسلام ، وكذلك أولاده وأحفاده استمروا على الديانة الإسلاميّة واستلموا مناصب عالية في الدولة ومشيخة الإسلام.

والآن توجد مجموعة من المساجد في عموم تايلند ، ولكلّ مسجد هيئة أمناء ينتخبهم المصلّون ، ويجتمع أعضاء هيئات الأمناء في كلّ محافظة لينتخبوا هيئة أمناء مساجد المحافظة ، وهم يقومون بانتخاب شيخ الإسلام، ويرفعون اسمه للملك ليصدر مرسوماً بتعينه في منصبه الرسميّ.

والعلاقة الرسمية بين دولتي إيران وتايلند بدأت سنة ١٩٥٥م ، وفي سنة ٢٠٠٥م أقيم احتفال كبير في سفارة إيران في تايلند بمناسبة مرور خمسين عاماً على بدء هذه العلاقة الرسمية.

لكن العلاقة بين الشعبين الإيراني والتايلندي علاقة قديمة ، عندما كان يطلق على الدولتي "فارس" و"سيام"، ويوجد في تايلند الآن مجموعة من الآثار تدلّ على أنّ الإيرانيين سافروا إلى تايلند قبل ألف عام تقريباً، منها : وجود سكة من العملة الإيرانية في متحف مدينة "كرابي"، ووجود صخرة منحوت عليها صورة إنسان بلباسه الإيراني في متحف مدينة "نخانپرا تام"، وهناك آثار مخطوطة وسندات رسمية تدلّ على أنّ الايرانيين سكنوا تايلند منذ ٤٠٠ سنة زمن السلطان "ناري سون مهاراج".


الصفحة 6
أمّا وضع الشيعة الآن ، فقد عاد انتشار التشيّع في العقود الأخيرة من الزمن ، خصوصاً بعد نجاح الثورة الإسلاميّة في إيران، حيث توجد عدّة مساجد وحسينيات ومؤسسات شيعية في بانگوك ، قمنا بتفقدها وإلقاء المحاضرات فيها في زياراتنا المتعددة لتايلند منها: إمام پاره، مسجد الإمام علي عليه السلام ، مسجد صاحب الزمان عليه السلام ، مسجد الفلاح، حسينية أبي الفضل العباس عليه السلام، حسينية الباكتسانيين، دار أهل البيت عليهم السلام ، حسينية أم البنين.

إضافة لوجود عدد من الشيعة في جنوب تايلند، لم نوفّق لزيارتهم.

وقد وفّقنا الباري عزّ وجلّ في رمضان هذه السنة أيضاً لزيارة العاصمة التايلندية بانگوك، والتواصل مع المؤمنين هناك ، وإلقاء المحاضرات ، والجواب على الشبهات العقائدية، وقمنا بزيارة شيخ الإسلام ودعوته لزيارة الحوزة العلمية في قم المقدسة والاطلاع على مؤسساتها العلميّة.

وأخيراً وفي نهاية مقالتي هذه أشير بشكل مختصر إلى هجرتين متقاربتين زمنياً من عالمين شيعيين هما: المحقق الكركي (ت٩٤٠هـ) الذي هاجر إلى إيران في أوائل القرن العاشر الهجري، والشيخ أحمد القمي الذي هاجر إلى تايلند سنة ١٠٢٤هـ ، وأتساءل هنا: لماذا أثمرت هجرة الكركي وحولت الإيرانيين إلى شيعة أهل البيت عليهم السلام، بعد أن كانت مقرّاً للمذهب السنّي ومنبعاً لعلمائهم ؟ وكان الشيعة فيها قلّة قليلة آنذاك.


الصفحة 7
ولماذا لم يستطع الشيخ أحمد القمّي من نشر التشيّع في كلّ أنحاء تايلند؟ بل لماذا ترك الجيل الثالث من أبنائه الإسلام وتحوّلوا إلى البوذيّة؟

فالكركي استلم مشيخة الإسلام في إيران، ودعمه الحاكم آنذاك الشاه إسماعيل الصفوي، ثمّ ولده الشاه طهماسب، والشيخ أحمد القمّي أيضاً استلم مشيخة الإسلام في تايلند ودعمه السلطان آنذاك ، بل استلم هو مناصب سياسية عالية، وكذلك أولاده وأحفاده، منها: رئاسة الوزراء، وعدّة وزارات، وقيادات عسكرية مهمة.

السبب لا يعود إلى الشيخ القمّي ، فالرجل أدّى واجبه وعمل بكلّ إخلاص وجدّ في نشر الإسلام الأصيل في تايلند، بل السبب يعود إلى عدم مواصلة دربه وإكمال مشروعه ، فلم نشاهد من رجال الدين من شدّ الرحال إلى تايلند ليكمل ما بدأه الشيخ القمي.

كما أنّ الفضل لا يعود للمحقّق الكركي وحده في نشر التشيّع في أنحاء إيران ، بل يعود لتلك الكوكبة الرائعة والمجاهدة من العلماء الذين اقتفوا أثر الكركي وتركوا الوطن والأهل والديار وشدّوا الرحال إلى إيران ، وكان في مقدّمتهم الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (والد الشيخ البهائي) (ت٩٨٤هـ).


الصفحة 8
وكلّ الذين هاجروا مع الكركي ولحقوا به وساندوه في نشر التشيّع في إيران كانوا من جبل عامل، حيث وُصفت تلك الهجرة المباركة بـ "الهجرة العاملية إلى إيران"، حتى أنّ الشيخ البهائي كان لا يعرف له وطناً يحنّ إليه ؛ لأنّه هاجر مع والده من لبنان إلى العراق إلى إيران، وبقي يتنقل في مدن إيران الكثيرة طيلة حياته إلى أن وافاه الأجل، وقد عبّر عن حرمانه من الوطن بقوله:

اين وطن مصر وعراق وشام نيست.

اين وطن شهريست كان نام نيست.

أي إنّ وطني ليس مصر ولا العراق ولا الشام، وإنّما وطني تلك المدينة المجهولة الاسم.

إذاً لو أنّ بعض رجال الدين هاجروا إلى تايلند ـ كما هجر العامليون لإيران ـ وأكملوا عمل الشيخ أحمد القمّي ، لرأينا الآن تايلند تختلف عما نشاهدها الآن، وقد لا تكون أقلّ شأنٍ من إيران.

محمّد الحسّون

الصفحة على الانترنيت: http://www.aqaed.com/muhammad

البريد الالكتروني: [email protected]

2 شوال/ 1436هـ

قم المقدّسة