وكالة الأنباء القرآنية (صفر 1431)

أجرت وكالة الأنباء القرآنية العالمية لقاءً مع مدير مركز الأبحاث العقائدية جاء فيه:

مبادرة الشهيد الصدر بتدريس تفسير القرآن الكريم أمر مبدع في الحوزات العلمية


أكد الشيخ "محمّد الحسون" مدير مركز الأبحاث العقائدية في قم المقدّسة أن آية الله الشهيد الصدر كان مبتكراً في درس التفسير الموضوعي وهو باعتباره كمرجع حينما ألقى محاضرات في تفسير القرآن الكريم جاء بشيء جديد وأمر مبدع، لأن الفضلاء والمجتهدون كانوا في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف يهتمون بالتدريس في الفقه والأصول.

وتطرق سماحة الشيخ "محمّد الحسون" مدير مركز الأبحاث العقائدية في مدينة قم المقدّسة التابع لمكتب السيد المرجع السيستاني في حواره الخاص مع وكالة الأنباء القرآنية العالمية (IQNA) الي دراسة التفسير الموضوعي والقاء المحاضرات القرآنية لآية الله العظمى الشهيد السيد محمّد باقر الصدر.

الشيخ محمّد الحسون من مواليد النجف الأشرف في سنة 1959 ميلادي، درس في مدينة النجف الأشرف الدراسة الابتداية والمتوسطة والثانوية ثم التحق بكلية الهندسة الزراعية في جامعة بغداد وفي عام 1980 ميلادي تم تهجيره إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لأنهم ينحدرون من أصول إيرانية ومن مدينة " تبريز" ودخل إلى الحوزة العلمية ودرس الدروس المتعارفة في الحوزة وحضر في درس البحث الخارج لمدة أربع سنوات عند آية الله "السيد محمود الهاشمي الشاهرودي" ثم بعد ذلك في الفقه عند المرحوم آية الله العظمى الشيخ "الميرزا جواد التبريزي" وفي الأصول عند الاستاذ آية الله العظمى الشيخ "وحيد الخراساني"، ثم تخصص في الكتابة والتحقيق وصدرت له مجموعة من الكتب المحققة والمقالات التي نشرت في بعض المجلات العلمية ولديه تقريباً أكثر من ستين أثراً علمياً بين التحقيق والتأليف وبين المقالة العلمية وسافر إلى خارج الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقريباً إلى أكثر من ستة عشر دولة من أجل الحضور في معارض الكتاب لأجل توفير الكتب وتهيتها إلى مركز الأبحاث العقائدية أو الحضور في المؤتمرات العلمية والندوات الثقافية أو للتبليغ وأخيرا يؤدي في مركز الأبحاث العقائدية بمدينة قم دوره في نشر مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فاليكم نص الحوار:

● أن الشهيد الصدر وفق لعقد أربع عشرة جلسة قرآنية واستعرض في هذه الجلسات التفسير الموضوعي كأنه انفرد في هذا الموضوع وأبدع فيه كثيراً مثل السنن التاريخية في القرآن الكريم وعناصر المجتمع في القرآن، ما هي الجدوى من التفسير الموضوعي وما هي معطيات هذا التفسير،‌ وما هو الفرق بين التفسير الموضوعي وسائر التفاسير؟

- الشهيد الصدر كان أعجوبة في زمانه وكان أنموذجاً واقعياً ومجدداً في كل المجالات، ليس فقط في مجال التفسير، يعني كان نابغة لعصره والاستعمار حينما قتل الشهيد الصدر، في الواقع عرف أين يضرب ضربته القوية التي أوجعت مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وفي كل موضوع طرحه الشهيد الصدر هو كان نابغاً ومبتكراً وكانت أبحاثه أبحاث بكر، يعني حينما ألف كتابه في الفلسفة بعنوان " فلسفتنا "، نجد في هذا الكتاب طرحاً جديداً وموضوعاً جديداً، وطرح الشهيد الصدر الفلسفة الإسلامية بأسلوب عصري وليس هو أول من كتب في الفلسفة الإسلامية، بل طرح الشهيد الصدر في هذا الكتاب، الفلسفة الاسلامية بأسلوب عصري، بعيداً عن التعقيدات التي كتبها علماءنا الماضون وبأسلوب معقد، وحينما كتب الشهيد الصدر كتابه "اقتصادنا" وضح الأسس الرئيسة للإقتصاد، وعالج معالجة جذرية المشكلة الاقتصادية التي شاعت في العالم حتى في كتابه "البنك اللاربوي"، والساحة الاسلامية الاقتصادية في الوقت الحالي بحاجة إلى هذا الكتاب وعرض الشهيد في هذا الكتاب مسألة كيف يمكن أن يكون لنا بنك اسلامي خالياً من الربا والربا من المعلوم عند جميع المسلمين هو من المحرمات.

حين نرجع إلى تفسير السيد الشهيد، نرى أنه لم يدرس تفسير القرآن، يعني نحن اذا قلنا بأن السيد الشهيد بدأ بتدريس درس خاص وتفسير القرآن أتصور هذا بعيد عن الواقع وإنما هو عقد عدة محاضرات له وكان الحضور فيها لعموم الطلبة، يعني ما كان يحضر في هذه الدروس فقط تلامذته الذين يحضرون عنده بحث الخارج في الفقه والأصول وهذه المحاضرات ليست دروساً معمقةً للشهيد الصدر لأنه لو أراد أن يعقد درساً علمياً لكان أكثر من هذا وهذه كانت عبارة عن محاضرات ألقاها السيد الشهيد في النجف الشرف وكان يحضرها عموم الطلبة حتى الذين يدرسون السطوح.

لو استطاع السيد الشهيد الصدر أن يستمر في دروسه لخلف لنا تراثاً قرآنياً ضخماً وعميقاً وأنه لم يكن بصدد تدريس تفسير القرآن الكريم يعني على مستوى درسه مثل بحث خارج الفقه والأصول وإنما هي كانت عبارة عن المحاضرات ألقاها وكان الحضور لعموم الطلبة

وكان الشهيد الصدر مبتكراً في التفسير الموضوعي، وفسر القرآن الكريم تفسيراً موضوعياً وليس تفسيراً ترتيبياً أو تقليدياً والمفسرون حينما يأتون إلى تفسير القرآن الكريم يفسرونه بالترتيب ويتناولون مثلاً في "شأن النزول"، هل هذه السورة هي مكية أو مدنية؟ ثم لماذا نزلت هذه السورة؟ ما هي المناسبة؟ ثم يأتون ويبينون معاني الكلمات والأحكام الموجودة مثلاً في هذه الآية، بالترتيب آية بعد آية ولايتطرقون بأن هذه الآية اذا كانت تتحدث عن موضوع معين، هل لها آية مشابهة في سورة أخرى وليس هذا من اهتمامهم وليس من منهجهم هذا الشيء.

لا نقول ان التفسير الترتيبي والتفسير التقليدي ما به الفائدة، بل فيه كثير من الفائدة ولكن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم الذي انتهجه السيد الشهيد الصدر يعطيك نظرة كاملة عن الموضوع المعين، اذا الفرق بين التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي، انه التفسير الترتيبي يفسر الآية بما هي وليس له العلاقة بالآيات المتعلقة بنفس الموضوع.

أما التفسير الموضوعي لا يفسر الآيات بحسب ترتيبها وإنما يعطي لكل موضوع ما ورد فيها من التفاسير، مثلا لو نأتي إلى آية تحريم الخمر في سورة البقرة "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" المفسر الترتيبي يفسر هذه الآية بما فيها، هل أنه يعرف من خلال هذه الآية، حكم الحرمة؟، هل أنه يعرف من هذه الآية هذا الحكم بأن الله سبحانه وتعالى يحث الناس على ترك الخمر وليس فيها حكم التحريم؟، أما ما يتعلق بتحريم الخمر في الآيات والسور الأخرى ونحن نعلم أن تحريم الخمر لم ينزل بشكل واحد، وإنما نزل بشكل تدريجي، حينما نأتي إلى الآية الثالثة والأربعين من سورة النساء، هي تخاطب المؤمنين، َ"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ"، هذه الآية تأتي على تحريم الخمر حتى تعلموا ما تقولون، لم تحرم الخمر مطلقاً لكن حينما نأتي إلى آية التسعين في سورة المائدة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" من هنا التفسير الموضوعي يأتي ويبين لك كيفية تحريم ويبين أن تحريم شرب الخمر نزل بشكل تدريجي لأن العرب في الجزيرة العربية كانوا مدمنين على شرب الخمر، ولم تسطع الشريعة أن تمنعهم وتحرم عليهم شرب الخمر دفعة واحدة، وجاءت الآيات وحرمت شرب الخمر بشكل تدريجي، وهذا الكلام نحن نجده في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ويعطيكم كل ما يتعلق بتحريم الخمر بشكل تدريجي، أما التفسير الترتيبي لاتجد فيه هذه النقطة.

لو استطاع السيد الشهيد الصدر أن يستمر في دروسه لخلف لنا تراثاً قرآنياً ضخماً وعميقاً وأنه لم يكن بصدد تدريس تفسير القرآن الكريم يعني على مستوى درسه مثل البحث الخارج للفقه والأصول وإنما هي كانت عبارة عن محاضرات ألقاها وكان الحضور لعموم الطلبة.

● ما هو تحليكم بالنسبة إلی رؤية الشهيد الصدر لعناصر المجتمع في القرآن الكريم ودور الإنسان والعلاقات الاجتماعية في حركة التاريخ؟

- الشهيد الصدر كان يريد أن يحدد منهجاً في العلاقات الاجتماعية وحسب ما سمعنا من كثير من تلاميذه أنه كان يريد أن يؤلف كتاباً حول المجتمع الإسلامي، مثل كتاب "فلسفتنا" و"اقتصادنا"، وقد وضع الخطوط الرئيسة لهذا الكتاب وكانت عنده نظرة خاصة يريد أن يبينها وهي نظرة الإسلام في العلاقات الإجتماعية، يعني كيف تكون علاقة الفرد مع الفرد الآخر الذي هو ينتمي معه إلى نفس الدائرة العقائدية، كيف تكون علاقته مع الشخص الذي يختلف معه في العقائد ولكنه ضمن الدائرة الإسلامية يعني هذا من أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وذاك من أتباع مدرسة الصحابة.

بل أوسع من ذلك لو وسعنا الدائرة والنطاق، كيف تكون علاقة المسلم مع غير المسلم، علاقة المسلم مع اليهودي والمسيحي مع الذي يؤمن بخبر السماء، بل أكثر من ذلك نوسع، كيف علاقة الانسان الذي يؤمن بخبر السماء مع الشخص الذي لا يؤمن بخبر السماء وهم من الملحدين وأوضح الشهيد الصدر علاقة الشخص مع الفرد الآخر في المجتمع، كيف تكون العلاقة بينهم كيف يعيشون، كيف يتعايشون، هذه هي الفكرة التي كان الشهيد الصدر يريد أن يوضحها للمجتمع الإسلامي عموماً ولكنه على الأسف لم يوفق في بيانها بشكل كامل.

● كما تعلمون حينما تصدى الشهيد الصدر المرجعية، كان هناك مراجع آخرون كبار مثل الإمام الخوئي وهم كانوا يتصدون المرجعية العامة فالشهيد الصدر بإعتبار كان أصغر سناً منهم، تصدى المرجعية، برأيكم ما هي الحاجة في تصديه للمرجعية وكيف تحللون العداوة التي صارت وكبرت مع الشهيد الصدر خاصة بعد مرجعيته في الأوساط الشيعية وما هي أسباب هذه العداوة والخصوم والضغوط من قبل البعثيين والتضييقات في الحوزة العلمية النجفية للشهيد الصدر؟

- أتباع مدرسة اهل البيت(عليهم السلام) في كل عصر عندهم مجموعة من المراجع وهذا امتداد لخط مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وهذا شيء طبيعي يعني في زمن تكون مجموعة من المراجع وتذهب هذه الطبقة وتحل محلها مجموعة أخرى من المراجع وفي كل زمن يكون هناك مراجع كبار ونستطيع أن نعبر عنه المرجعية العامة، لهم مقلدون في كل أنحاء العالم وهنالك مرجعيات أصغر من المرجعية العامة وهذه المرجعيات تأتي حتى تحل محل المرجعية العامة في ما لو ذهب ذلك المرجع وانتقل إلى رحمة الله.

في زمن الشهيد الصدر كان هنالك الإمام الخميني(رض) ومرجعيته مرجعية عامة في كل أنحاء العالم وهناك السيد الإمام الخوئي أيضا مرجعيته عامة، فالشهيد الصدر حينما جاء وطرح مرجعيته، لا أن مرجعيته تأتي وتعارض المرجعية العامة للإمام الخوئي أو المرجعية العامة للإمام الخميني، إنما هذا شيء وأمر طبيعي لأتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في كل زمان ويكون هناك المرجعية العليا والمرجعية تأتي مثلا أقل من تلك المرجعية، والبعثيون والاستعمار العالمي انتبهوا أن الشهيد عندما طرح مرجعيته آنذاك لكي تكون في المستقبل مرجعية عامة ويكون المرجع العام في المستقبل وهذا كان شيئا لا يريده الاستعمار لأن المنهج السياسي وأفكار السيد الشهيد كانت في مواجهة الاستكبار العالمي.

● سماحة الشيخ محمّد الحسون هل أدركتم فترة حياة الشهيد الصدر؟

- نعم أنا شهدت الأحداث واعتقال الشهيد الصدر وحينما استشهد الشهيد أنا كنت في العام الثاني من الكلية في جامعة بغداد وشاركنا في الوفود التي ذهبت لاعلان البيعة للشهيد الصدر كان في يوم الجمعة وكان عندي علاقة مع الشهيد الصدر وأنا من مقلدي السيد الشهيد وكنا قد نحضر في مجلس التعزية وأناً شخصيا كنت أسأله في بعض الامور ويرد علي.

● كما تعلمون أن المذهب الشيعي متهم بأنه هجر القرآن الكريم وخاصة في الحوزات العلمية، كما يقال أن القرآن الكريم لم يحل مكانة مناسبة في الدورس الرئيسية في الحوزة العلمية، فحينما قام المرجع الكبير مثل الشهيد السيد محمّد باقر الصدر بهذه المبادرة القرآنية أتصور أنه قام بردة فعل على هذا الموضوع، برأيكم هل تؤيدون أن هناك هجران للقرآن الكريم في الحوزات العلمية، بينما أن مبانی الأصول والفقه كلها مأخوذة ومتخذة من القرآن الكريم؟

- هذه التهمة على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) غير صحيحة وتهمة باطلة ويوجهها في الواقع أعداء المذهب إلينا، ونحن عندنا المصدر التشريعي الأول هو القرآن الكريم، والان لو ننظر الى الحوزات العلمية نرى كيف أنهم يعتمدون على القرآن الكريم فكيف يتهمون أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) بأنهم لم يهتموا بالقرآن في الوقت الذي نحن نجعل المصدر التشريعي الأول هو القرآن الكريم، ثم تأتي في الدرجة الثانية السنة الشريفة والسنة عندنا هي تمثل قول المعصومين (عليهم السلام) عموماً، سواءً كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الزهراء (سلام الله عليها) أو الأئمة الإثنى عشر (سلام الله عليهم)، فإذاً قولهم بأن أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) هم قد هجروا القرآن أو لم يعتنوا بالقرآن هذه تهمة باطلة وغير صحيحة. المجتهد إذا أراد أن يستنبط الحكم الشرعي ويعرف حكم قضية ما، في الدرجة الأولي ينظر إلى القرآن الكريم.

● ولكن يطرح سؤال هنا، هل أن مراجع الدين كانوا يدرسون تفسير القرآن؟ أنا أقول لا، يعني مراجعنا كانوا يدرسون الفقه والأصول وهنالك دروس لتفسير القرآن من الأشخاص الآخرين وليس من قبل المراجع، يعني آية الله العلامة السيد محمّد حسين الطباطبائي لم يتصدِ المرجعية ولم يكن مرجعاً، ولكنه استطاع أن يدرس تفسير القرآن وألّف تفسيره الخالد الباقي "الميزان في تفسير القرآن" وهذا التفسير الان يدرس في الكثير من الجامعات الاسلامية والعالمية لغير أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ونحن في عدة مؤتمرات حينما نلتقي بالكثير من إخواننا من أتباع مدرسة الصحابة يقولون نحن ندرس تفسير الميزان.

- الشهيد الصدر باعتباره كمرجع حينما جاء وألقى محاضرات في تفسير القرآن جاء بشيء جديد، لأنه حينما يأتي مرجع ويدرس تفسير القرآن أو يلقي محاضرات في تفسير القرآن كان هذا هو الشيء الجديد خاصةً في حوزة النجف الأشرف لأنه كان في الحوزة من العيب أن المجتهد يرتقي المنبر ويلقي محاضرات والفضلاء والمجتهدون يجب أن يهتموا بالدرس والتدريس في الفقه والأصول.