لقاء مع مجلة عصر انديشة حول طبيعة حياة آية الله العظمى السيّد السيستانيّ (جمادى الثانية 1439)

اكسير الزهد والنبوغ والتواضع
نظرة في طبيعة حياة آية الله العظمى السيّد السيستانيّ

لقاء مع حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ محمّد الحسّون رئيس مركز الأبحاث العقائديّة التابع لمكتب السيّد السيستانيّ



السؤال: بحثنا يتعلّق بمعرفتكم بسماحة السيّد السيستانيّ، وما شاهدتموه وسمعتموه من الشخصيّات العالميّة والمذهبيّة من مختلف الأديان، عند سفركم إلى كثير من دول العالم. ما هي أهمّ خصوصيّات السيّد السيستانيّ في نظركم؟

الجواب: السيّد السيستانيّ لا يحتاج إلى تعريف، وقد كتبت عنه المجلّات والكتّاب في داخل إيران وخارجه. يتمتّع السيّد السيستانيّ بخصوصيات مهمّة، أوجبت محبّة واحترام الشعب العراقي له، وكذلك في خارج العراق أيضاً.
واحدة من خصوصيّاته المهمة: هي زهده الكبير، فالذي يشاهده عن قرب ويطّلع على طبيعة حياته الشخصيّة، يعرف أنّه يعيش حالة زهد كبيرة وحياته بسيطه جدّاً. ليس فقط وحده، بل أولاده وأحفاده كذلك يعيشون حالة زهد، وهو لحدّ الآن لا يملك منزلاً شخصيّاً له.

السؤال: هذا يعني أنّه يعيش في بيت إجارة؟

الجواب: نعم، هو يستأجر بيتاً مساحته لا تزيد على 80 متراً، وهو لم يخرج من هذا البيت الصغير منذ عدّة سنوات إلّا نادراً، ومن الصعب جدّاً أن يعيش الإنسان في بيت صغير كهذا، وهو في هذا العمر، وهذه المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقه. ليس فقط وحده، بل حتى أولاده ـ الذين هم من الفضلاء ـ لا يملكون داراً، ويعيشون بهذا الشكل من التواضع والزهد، فيكون هذا سبباً لزيادة احترامه وتقديره.
الآن في مدينة النجف الأشرف لا يوجد كهرباء بشكل مستمر، والكثير من العراقيّين لديهم ماكنة لتوليد الكهرباء صغيرة في بيوتهم، أمّا السيّد السيستانيّ لا يوجد لديه في بيته هذا الشيء.
وفي كلّ محلّة ومنطقة في مدينة النجف الأشرف، توجد ماكنة كبيرة لتوليد الكهرباء، توزّع الكهرباء على البيوت لعدّة ساعات في اليوم، أي أنّها لا توزّع الكهرباء طيلة ساعات انقطاعه، بل تعمل لعدّة ساعات معيّنة. والسيّد السيستانيّ شأنه شأن كافّة سكان مدينة النجف الأشرف، يأتي الكهرباء لبيته عندما تعمل هذه الماكنة الكهربائيّة.
أتذكّر جيداً في إحدى زياراتي السابقة لسماحته، دخلت إلى مكتبه الساعة العاشرة صباحاً، والتيار الكهربائي كان منقطعاً، والجوّ شديد الحرارة، فسألت ولده الحجة السيّد محمد رضا: ألا يوجد عندكم ماكنة خاصة لتوليد الكهرباء؟ قال: لا يوجد لدينا، وسماحته لا يوافق على شراء ذلك، ونحن نعيش مثلما يعيش باقي أهالي النجف الأشرف.
والعجيب أنّ إدارة كهرباء مدينة النجف الأشرف، قد عرضت على بيت السيّد أن توصل له كهرباء خاصّاً، لكنّه (دام ظلّه) رفض ذلك، وقال للمسؤولين: هل تعطون لكلّ أهالي مدينة النجف الأشرف الكهرباء؟ قالوا: لا. فقال: أنا مثل الناس في النجف الأشرف، متى ما أوصلتم لهم جميعاً الكهرباء فأنا واحد منهم.

السؤال: هل تعتقدون بأنّ زهد السيّد وعدم اهتمامه بمظاهر الحياة، هو السبب في حبّ الشعب العراقي له؟

الجواب: نعم، هذا هو أحد أسباب محبّة واحترام الناس لسماحة السيّد، ومن الطبيعي أنّ الناس حينما يشاهدون أنّ مرجعهم يعيش بهذا الشكل من الزهد، فإنّهم يتعلّقون به أكثر، حتّى أنّه (دام ظلّه) قد أجاز للعراقيين أن يصرفوا الحقوق الشرعيّة على فقراء العراق دون الاحتياج إلى أخذ إجازة منه أو من أحد وكلائه.

السؤال: نعم، هذا الموضوع انتشر في وسائل التواصل الاجتماعيّ ووكالات الأنباء في إيران.

الجواب: حتّى قبل أن يُعطي سماحته (دام ظلّه) هذه الإجازة، سمعتُ بأنّ الكثير من التجّار حينما كانوا يزورونه ويريدون أن يسلّموه الحقوق الشرعيّة، فإنّ سماحته كان يأمرهم بتوزيعها على الفقراء.
ومن خصوصيّات هذا السيّد ـ إضافة لزهده ـ تواضعه الكبير، بحيث إنّ الجميع يستطيعون لقاءه والحديث معه.

السؤال: يعني للسيّد ملاقاة عامّة؟

الجواب: نعم، لسماحته ملاقاة عامة كلّ يوم ساعتين قبل أذان الظهر، وهو يحترم ويقدّر الجميع، دون النظر إلى مكانتهم وعملهم.
وأنا أتذكّر أنّ زوجتي السيّدة اُمّ علي مشكور، أرادت أن تلتقي بسماحة السيّد السيستانيّ، وأنا أخبرت السيّد محمّد رضا ـ ولد السيّد ـ بذلك، فعيّن وقتاً لها، علماً بأنّ زوجتي ألّفت كتاباً بعنوان (أحكام المرأة والاُسرة طبقاً لفتاوى السيّد السيستانيّ) جمعت فيه أراء سماحته المتعلّقة بالمرأة والاُسرة، باُسلوب سلس، وطبع هذا الكتاب عدّة طبعات، بعد مراجعته والتصديق عليه من قبل لجنة الاستفتاءات في مكتب سماحة السيّد في مدينة قم المقدّسة.
وفي الوقت المحدّد ذهبتُ وزوجتي للقاء سماحة السيّد، وأنا كنتُ قبل عدّة أيام قد زرتُ سماحته، فهذا اللقاء لها مع سماحته.
وحينما دخلنا غرفة سماحته، نهض احتراماً وتقديراً لها، وبعد السؤال عن أحواله، بدأت اُم عليّ بطرح عدّة أسئلة على سماحته، وأجاب عليها.
وبعد اتمام اللقاء، استأذنا من سماحته لوداعه، وإذا به (دام ظلّه) قام مرّة ثانية وتقدّم عدّة خطوات في توديعنا، وأنا ـ واقعاً ـ خجلت جداً، وقلت له: سيّدنا لا داعي لذلك تفضلوا في مكانكم، فقال (دام عزّه): لابدّ من احترام هذه المرأة.
من الطبيعي أنّ الإنسان حينما يشاهد من سماحة السيّد ـ وهو المرجع الأعلى للطائفة الشيعيّة في العالم ـ هذا الاحترام والتقدير لإحدى النساء، فهذا يكون باعثاً على الاحترام والتقدير لسماحته، ودليلاً على تواضعه الكبير.

السؤال: نحن سمعنا بأنّ تواضع سماحة السيّد واحترامه لا يختصّ بالشيعة فقط، بل هو شامل للجميع.

الجواب: نعم هو هكذا، وفي الوقت الذي هجمت داعش على العراق واحتلّت بعض مدنه، فإنّ سماحته لم يدافع عن الشيعة فقط، بل دافع عن الشيعة والسنّة والمسيحيّين. وفي الوقت الذي أصدر سماحته فتوى الجهاد الكفائي، كانت داعش قد سيطرت على المناطق السنّية: الموصل، والأنبار، وصلاح الدين. ولم تصل إلى المناطق الشيعيّة، لكنّنا نشاهد أنّ شباب الشيعة ذهبوا للدفاع عن أرواح وأعراض إخوانهم السنّة. يعني أنّ سماحته حينما أصدر هذه الفتوى، لم تكن مختصةً بالدفاع عن المناطق الشيعيّة.
وكذلك فإنّ كلمته المشهورة: (لا تقولوا إخواننا أهل السنّة، بل هم أنفسنا) لم يقلها أمام المسؤولين السنّة، بل قالها أمام المسؤولين الشيعة.
وأنّ داعش حينما قتلوا المسيحيين وهدموا الكنائس في الموصل، فإنّ سماحته استنكر ذلك.

السؤال: نحن سمعنا أنّ سماحته ليس لديه جنسيّة عراقيّة، بل هو يحمل الجنسيّة الإيرانيّة الآن، فهل هذا صحيح؟

الجواب: نعم صحيح، وفي هذه القضيّة نكتة مهمّة، فإنّ أهم شيء عند سماحته هو تطبيق القانون، وهو يؤكّد دوماً على أنّ الجميع لابدّ أن يعمل طبق القانون، وإذا الجميع طبّق القانون فلا تحصل أيّ مشاكل، وسماحته أوّل شخص طبّق القانون حتّى يصبح قدوة للجميع.
سماحة السيّد الآن ليس لديه جنسيّة عراقيّة، بل لديه جنسيّة إيرانيّة، وكذلك أولاده وأحفاده، فكلّهم لديهم إقامة في العراق. والآن سماحته إذا لم يأخذ إجازة إقامة من دائرة الإقامة في النجف الأشرف، من الذي يستطيع أن يقول له كلمة واحدة؟ هو الآن زعيم العراق.
وهو حينما يبعث جواز سفره لدائرة الإقامة في النجف الأشرف، من أجل تمديد مدّة إقامته، فإنّ المسئولين العراقيين يقولون له: سيّدنا أنت لا تحتاج إلى إجازة إقامة في العراق. فإنّ سماحته يجيبهم: (لابدّ من تطبيق القانون، فإنّ القانون يقول: إنّ كلّ شخصٍ لا يحمل الجنسيّة العراقيّة لابدّ له أن يأخذ إجازة إقامة من دائرة الإقامة، فأنا اُطبّق القانون حتّى يطبقه الجميع).
سماحته حينما ذهب إلى بريطانيا للعلاج، فإنّ الكثير من الشخصيّات العلميّة والثقافيّة والسياسيّة كانت تزوره كلّ يوم، منهم سفراء إيران والعراق وباكستان ووو، وبعد إتمام علاجه بعث بجواز سفره إلى السفارة العراقيّة في لندن من أجل الحصول على فيزا الدخول للعراق، فجاء السفير العراقي إلى المستشفى التي يرقد فيها سماحته وقال له: سيّدنا أنت لاتحتاج إلى فيزا، فإنّ العراق الآن ينتظرك، لأنّ الأوضاع في مدينة النجف الأشرف لم تكن طبيعيّة، والقوات الأمريكية كانت تحاصر هذه المدينة المقدّسة.
فأجابه سماحة السيّد: لابدّ أن نطبّق القانون، والقانون يقول: الذي لا يحمل جواز سفر عراقي، فعليه أن يأخذ فيزا.
وهذا الخبر قد انتشر في وسائل الإعلام العراقيّة والعالميّة، والكلّ كان يقول: انظروا إلى سماحة السيّد كيف يحرص على تطبيق القانون.

السوال: سمعنا بأنّ سماحته يُعدُّ من قرّاء الكتب كثيراً.

الجواب: سماحته له طريقة خاصة في مطالعة الكتب:
أوّلاً هو يطالع كتب علوم مختلف، ولا يقتصر على كتب العلوم الإسلاميّة والانسانيّة، والعلوم التي لها ارتباط بالعلوم الإسلاميّة. وأنا سمعت بأنّه طالع الكتب التي تتحدّث عن الدستور الفرنسي والانكليزي والأمريكي، وطالع كتب الماركسية التي ترجمت إلى العربيّة. ومؤخّراً سمعت بأنّه طالع مذكّرات وزيرة الخارجية البريطانيّة، ووزير خارجية أمريكا، بعد ترجمتها إلى العربيّة. ولدى سماحته بعض الأشخاص يهيؤون له هذه الكتب.

السؤال: سمعنا يرسلون له الكتب من إيران أيضاً.

الجواب: نعم، وكذلك من بيروت، ولعلّه من أماكن اُخرى أيضاً.
وصحيح أنّ سماحته لا يخرج من داره إلّا نادراً جدّاً، لكن لديه اطّلاع كامل على أوضاع العالم. وهذا ليس فقط الآن، يعني مطالعته لمختلف الكتب كانت من صفاته القديمة.
حتى أنّ الأخضر الإبراهيميّ (الممثّل السابق للاُمم المتّحدة في العراق) حينما زار العراق قبل كتابة الدستور العراقي، قام بزيارة عدّة شخصيات عراقيّة، منهم سماحة السيّد السيستانيّ، فإنّه يقول عن هذه الزيارة: 
قلت في نفسي: لماذا أذهب لزيارة السيّد السيستانيّ؟ وعندما ذهبت لزيارته ـ في مدينة قديمة وزقاق ضيق وبيت متواضع ـ سألته: ما هو رأيكم؟ مَن الذي لابدّ أن يكتب دستور العراق؟
وفي ذلك الوقت فإنّ الحكومة الأمريكية كانت قد كلّفت هيئة من عدّة شخصيّات أمريكية بكتابة دستور العراق.
فقال السيّد: لا ... الأمريكان لا يكتبون دستور العراق، الدستور العراقي لابدّ أن يكتبه العراقيّون.
ثمّ إنّ سماحته قال للأخضر الإبراهيمي: هل تتذكّر لقاءك مع محمّد حسنين هيكل في إحدى مقاهي باريس، والحديث الذي جرى بينكما، حول الدول العربيّة والإسلاميّة، من الذي يحقّ له أن يكتب قانونها ودستورها؟ أنت قلت: إنّ دستور الدول العربيّة والإسلاميّة لابدّ أن يكتب بأيدي أبناء هذه الدول. وهذا اللقاء بينكما ذكره هيكل في إحدى كتبه، هل تتذكّر ذلك؟
وهذا يعني أنّ سماحته قد طالع هذه الحكاية في أحد كتب هيكل، وهو الآن يقول: إنّ إدارة العراق وكتابة قانونه ودستوره لابدّ أن يكتب بأيدي العراقيين.
يقول الأخضر الإبراهيمي: حينما عدتُ إلى مصر، نقلت هذا الحديث ـ الذي جرى بيني وبين سماحة السيّد ـ إلى هيكل، يعني أنّ سماحته قد طالع قبلاً هذا الكتاب ونقل هذه الحكاية منه.
وقد تعجّب هيكل كثيراً، أنّ أحد رجال الدين في النجف الأشرف قد طالع كتابه، لذلك قام هيكل بتسليم مجموعة من كتبه إلى الإبراهيمي، وطلب منه أن يسلّمها إلى سماحة السيّد عند سفره ثانياً إلى العراق.
يقول الأخضر الإبراهيمي: وفي سفري الثاني للعراق، قدّمت هذه الكتب لسماحة السيّد كهدية من مؤلّفها، فقال له السيّد: أنا أتشكّر من هيكل على هديته، ولكن قل له: أنا سابقاً قد قرأت كلّ هذه الكتب.
وطبعاً هذه مسألة في غاية الأهميّة، تدلّ على سعة اطّلاع سماحة السيّد.

السؤال: حتماً إنّ سماحة السيّد له طريقة خاصة في مطالعة الكتب، مكنّته من قراءة هذا الكم الهائل من الكتب وفي مختلف العلوم.

الجواب: سماحة السيّد له طريقة خاصة في المطالعة، فحينما يقع الكتاب بين يديه، أولاً ينظر إليه نظرة سريعة: فهرسه ومواضيعه وعناوينه، فإذا لم يجد فيه مطالب علمية تستحقّ المطالعة، وضعه جانباً، وإذا وجد فيه مطالب جيّدة قرأها، وبعض الكتب الجيدة يطالعها بتمامها، وربما أعاد مطالعة المطلب العلميّ مرّة ثانية.
هذه طريقة سماحته في المطالعة، وحينما يقرأ الكتاب يقرأه بعمق وتدبّر.
أنا أتذكّر حينما صدر كتابي عن المحقّق الكركي في 12 جزء، بعثته لسماحته، وبعد عدّة أشهر عند زيارتي له سألته: هل طالعتم الكتاب؟ قال: نعم، ثمّ أبدى عدّة ملاحظات تتعلّق بالحياة السياسية للكركي، أثارت دهشتي.
وسمعت بأنّ الرئيس الإيراني السابق (أبو الحسن بني صدر) كان قد زار العراق، في الوقت الذي كان فيه الإمام الخميني رحمه الله مقيماً في النجف الأشرف، وطلب من الإمام أن يهيء له لقاءً مع بعض علماء النجف الأشرف الذين لهم اطّلاع على العلوم الحديثة، خصوصاً الاقتصاد، باعتبار أنّ بني صدر مختصّاً بالاقتصاد. فأرشده الإمام إلى لقاء الشهيد السعيد السيّد محمّد باقر الصدر، وسماحة السيّد السيستانيّ.
وبعد انتهاء اللقاء بين بني صدر وسماحة السيّد، فقد أثنى بني صدر على سماحة السيّد كثيراً؛ لأنّ البحث الذي جرى بينهما كان يتعلّق بالاقتصاد الإسلامي، وكيف يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يحلّ مشاكل الاقتصاد العالمي، وكان بني صدر قد اعترف بتسلّط سماحة السيّد في علم الاقتصاد.